محمد سالم أبو عاصي
103
علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف
ثم لما هاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة نزلت عليه سورة البقرة ، مؤصّلة بسورة الأنعام ، ومقررة لقواعد التقوى وأصولها . فبينما كانت سورة الأنعام المكية تقرر أصول التوحيد ، والنبوة ، والمعاد ، ودلائلها . . كانت سورة البقرة تؤصل العبادات ، وقواعد الإسلام ، وتقرر أحكام المعاملات من البيوع والأنكحة ، والعادات من أصل المأكول والمشروب وما أشبههما ، وأحكام الديات والدماء وما يليها ، وما زاد على ذلك من فروع التقوى من التكاليف مما جاء بعدها ولم يذكر فيها ، فقد جاء مكملا لما جاء فيها مردودا إليه ، مثلما كانت سورة الأنعام تأصيلا للعقائد ، وما لم يذكر فيها من العقائد - وجاء بعد نزولها - اعتبر داخلا تحت أصولها . . . ، وكذلك نرى هذا المعنى متقررا بين كل سورة من المكي والمدني ، والترتيب بين السور والآيات يشير إلى ابتناء اللاحق على السابق ، والمتأخر على المتقدم . فلا يغيبن على الناظر في الكتاب هذا المعنى ، فإنه من أسرار علوم التفسير . وللسنة في هذا الترتيب مدخل للحفظ ؛ إذ هي مبينة للكتاب ، فهي تابعة له في ترتيب نزوله « 1 » .
--> ( 1 ) انظر : الموافقات ، 3 / 406 : 408 ، ومقدمة التعريف بأصول الفقه والفقه ، للدكتور محمد سعاد جلال ، 48 ، 49 .